الشوكاني
157
فتح القدير
أم نحن المقدرون المصورون له ، وأم هي المتصلة ، وقيل هي المنقطعة ، والأول أولى . قرأ الجمهور " تمنون " بضم الفوقية من أمنى يمنى . وقرأ ابن عباس وأبو السماك ومحمد بن السميفع والأشهب العقيلي بفتحها من منى يمنى ، وهما لغتان ، وقيل معناهما مختلف ، يقال أمنى إذا أنزل عن جماع ، ومنى إذا أنزل عن احتلام ، وسمى المنى منيا لأنه يمنى : أي يراق ( نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ) قرأ الجمهور " قدرنا " بالتشديد ، وقرأ مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير بالتخفيف ، وهما لغتان ، يقال قدرت الشئ وقدرته : أي قسمناه عليكم ووقتناه لكل فرد من أفرادكم ، وقيل قضينا ، وقيل كتبنا ، والمعنى متقارب . قال مقاتل : فمنكم من يموت كبيرا ومنكم من يموت صغيرا . وقال الضحاك : معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء - وما نحن بمسبوقين - بمغلوبين ، بل قادرين ( على أن نبدل أمثالكم ) أي نأتي بخلق مثلكم . قال الزجاج : إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا . قال ابن جرير : المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم وما نحن بمسبوقين في آجالكم : أي لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) من الصور والهيئات . قال الحسن : أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم ، وقيل المعنى : ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا . وقال سعيد بن المسيب : فيما لا تعلمون : يعنى في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف . وبرهوت واد باليمن . وقال مجاهد ( فيما لا تعلمون ) يعنى في أي خلق شئنا ، ومن كان قادرا على هذا فهو قادر على البعث ( ولقد علمتم النشأة الأولى ) وهي ابتداء الخلق من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ولم تكونوا قبل ذلك شيئا . وقال قتادة والضحاك : يعنى خلق آدم من تراب ( فلولا تذكرون ) أي فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة وتقيسونها على النشأة الأولى . قرأ الجمهور " النشأة " بالقصر ، وقرأ مجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو بالمد ، وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت ( أفرأيتم ما تحرثون ) أي أخبروني ما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيه البذر ( أأنتم تزرعونه ) أي تنبتونه وتجعلونه زرعا فيكون فيه السنبل والحب ( أم نحن الزارعون ) أي المنبتون له الجاعلون له زرعا لا أنتم . قال المبرد : يقال زرعه الله : أي أنماه ، فإذا أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث ( لو نشاء جعلناه حطاما ) أي لو نشاء لجعلنا ما تحرثون حطاما : أي متحطما متكسرا ، والحطام : الهشم الذي لا ينتفع به ولا يحصل منه حب ولا شئ مما يطلب من الحرث ( فظلتم تفكهون ) أي صرتم تعجبون . قال الفراء : تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم . قال في الصحاح : وتفكه تعجب . ويقال تندم . قال الحسن وقتادة وغيرهما : معنى الآية : تعجبون من ذهابها وتندمون مما حل بكم . وقال عكرمة : تلامون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله . وقال أبو عمرو والكسائي : هو التلهف على ما فات . قرأ الجمهور " فظلتم " بفتح الظاء مع لام واحدة . وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية عنه بكسر الظاء . وقرأ ابن عباس والجحدري " فظللتم " بلامين : أولاهما مكسورة على الأصل ، وروى عن الجحدري فتحها ، وهي لغة . وقرأ الجمهور " تفكهون " وقرأ أبو حزام العكلي " تفكنون " بالنون مكان الهاء : أي تندمون . قال ابن خالويه : تفكه تعجب . وتفكن تندم . وفي الصحاح التفكن التندم ( إنا لمغرمون ) قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر ، وقرأ أبو بكر والمفضل وزر بن حبيش بهمزتين على الاستفهام ، والجملة بتقدير القول : أي تقولون إنا لمغرمون : أي ملزمون غرما بما هلك من زرعنا ، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض ، قاله الضحاك وابن كيسان . وقيل المعنى : إنا لمعذبون ، قاله قتادة وغيره . وقال مجاهد وعكرمة : لمولع بنا ، ومنه قول النمر بن تولب :